حيدر حب الله
85
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
* الذي يفهم من النصوص الدينيّة أنّ الفقر له سببان : السبب الأوّل : ولعلّه السبب الأكثر شيوعاً ، وهو الإنسان نفسه ، لكن ليس بالمعنى الفردي فقط ، بل بالمعنى الجماعي العام ، فالله وضع الخيرات في الأرض وأعطانا من كلّ ما نريد ، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة ، كما هي التعابير القرآنية في هذا المجال ، إلا أنّ إرادته وصول الماء والغذاء للناس كانت عبر البشر أنفسهم ، فلو أنّ البشر اهتمّوا بالفقراء والمحتاجين ، ولو أخرجوا حقوق المساكين والمعوزين من أموالهم ، ولو أنّهم اعتنوا بشكلٍ صحيح وعلميّ بهذا الأمر ، ولو مرّت هذه الصدقات بأنواعها وتمّ استثمار ما شاء الله من الأوقاف الخيريّة التي لا يعلم كمّها اليوم ومقدارها غير الله ( والله وحده يعلم كم هي الأوقاف المعطّلة في العالم الإسلامي اليوم ! ) ، ولو كان الوسطاء في إيصال الأموال أمناء يقظي الضمير ويخشون الله فيما يفعلون ، ولو كانت خططنا التدبيريّة في إيصال المال إلى أهله سليمة وصائبة . . لما وقع الكثير من الفقر الذي نجده اليوم في العالم ، ولما رأينا أنّ اثنين أو ثلاثة بالمائة من سكّان الأرض يملكون ثمانين أو تسعين بالمائة تقريباً من خيراتها ، فيما يعيش أكثر من نصف سكّان الأرض في فقر وجوع وفاقة . فالله سخّر الغنيّ لكي يحصل على المال ، ولكنّه عندما أعطاه المال قال له بأنّ نسبةً من هذا المال الذي في جيبك ليست لك ، وإنّما جعلتك وسيلةً ومعبراً لتوصل هذه النسبة إلى أصحابها الحقيقيّين ، فالإرادة التكوينيّة الإلهيّة في رفع الفقر مرّت بإرادته التشريعيّة ، التي تمرّ بشكل تلقائي بالإنسان نفسه ، وهذا يعني أنّ الله أراد أن يرتفع الفقر بين البشر عبر قيام البشر أنفسهم وبإرادتهم بإطاعة أوامره التشريعيّة القاضية بكون بعض ما في حساباتهم البنكية ومحصولاتهم الزراعيّة وغيرها . . لغيرهم من المساكين والفقراء والمعوزين ، وهذه نقطة مهمّة